الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
304
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وجود الوسائل والإمكانات المالية ، ومن هنا فإننا نلاحظ أن البعض قادر على الجهاد بكلا النوعين ( النفس والمال ) وآخرين قادرون على الجهاد بالمال فقط وفي المواقع الخلفية للجبهة ، وبعض آخر مستعد للجهاد بالنفس والجود بها في سبيل الله لأنهم لا يملكون سواها . إلا أن الضرورة تستلزم أن يكون هذان النوعان من الجهاد توأمين متلازمين كل منهما مع الآخر لتحقيق النصر ، وعند التدقيق في الآية المباركة نلاحظ أنه تعالى قد قدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس ، لا باعتباره أكثر أهمية ، بل بلحاظ أنه مقدمة للجهاد بالنفس ، لأن مستلزمات الجهاد لا تتهيأ إلا عند توفر الإمكانات المادية . لقد تم تسليط الأضواء على ثلاثة عناصر أساسية في هذه التجارة العظيمة والتي لا مثيل لها . ( فالمشتري ) هنا هو الله سبحانه ، و ( البائع ) هم المؤمنون ، و ( البضاعة ) هي الأنفس والأموال . ويأتي دور العنصر الرابع في هذه الصفقة وهو الثمن والعوض لهذه المعاملة العظيمة . يقول تعالى : يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم ( 1 ) . وتستعرض الآية مرحلة الجزاء الأخروي في البداية حيث غفران الذنوب باعتبارها أهم عوامل القلق وعدم الراحة الفكرية والنفسية للإنسان ، وعندما يتحقق الغفران له فمن المسلم أن الراحة والهدوء والاطمئنان تنشر ظلالها عليه . ومن هنا نلاحظ أن أول هدية يتحف الله سبحانه بها عباده الذين استشهدوا
--> 1 - جملة ( يغفر لكم ) هي بمنزلة ( جزاء ) لشرط محذوف مستفاد من الآية السابقة وفي التقدير هكذا : وإن تؤمنوا بالله ورسوله وتجاهدوا في سبيله . . يغفر لكم ذنوبكم . . . ) كما يحتمل - أيضا - أن الجملة جواب ( لأمر ) ذلك الأمر مستفاد من الجملة الخبرية ( تؤمنون ) و ( تجاهدون ) .